الشنقيطي

88

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ومنها قوله : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [ التوبة : 40 ] الآية . فعليه يكون المراد بعدوي وعدوكم هنا ، خصوص المشركين بمكة . وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ، وقصة الرسالة مع الظعينة لأهل مكة قبل الفتح بإخبارهم بتجهز المسلمين إليهم مما يؤيد المراد بالعدو هنا ، ولكن ، وإن كانت بصورة السبب قطعية الدخول إلا أن عموم اللفظ لا يهمل ، فقوله عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ ، وقوله : وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يشمل كل من كفر بما جاءنا من الحق كاليهود والنصارى والمنافقين ومن تجدد من الطوائف الحديثة . وقد جاء النص على كل طائفة مستقلة ، ففي سورة المجادلة عن المنافقين قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ [ المجادلة : 14 ] . وتكلم عليها الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه . وعن اليهود في سورة الحشر كما تقدم ، وعن اليهود والنصارى معا قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [ المائدة : 51 ] . ومن الطوائف المحدثة كل من كفر بما جاءنا من الحق من شيوعية وغيرهم ، وكالهندوكية ، والبوذيّة وغيرهم ، ومما يتبع هذا العموم ما جاء في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 57 ) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 ) [ المائدة : 57 - 58 ] . فكل من هزىء بشيء من الدين أو اتخذه لعبا ولهوا فإنه يخشى عليه من تناول هذه الآية إياه . تنبيه ذكر المقابلة هنا بين عدوي وعدوكم أولياء فيه إبراز صورة الحال وتقبيح الفعل ، لأن العداوة تتنافى مع الموالاة والمسارة للعدو بالمودة ، وقد ناقش بعض المفسرين قضية التقديم والتأخير في تقديم عدوي أولا ، وعطف عدوكم عليه ، فقال